ابن عربي
47
شجون المسجون وفنون المفتون
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين المقدمة الحمد للّه الّذي خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ « 1 » ، ثمّ وهب منهم البالغين العاقلين قدرة واختيارا ليمتحنهم في كلّ حين ، فهم بالخير والشّرّ مختبرون ، ليجزيهم بما كانوا يعملون « 2 » . قال تعالى « 3 » : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ . وتقديره : فيجازيكم بما تكسبون ، فكلّ من يقع عليه الجزاء فهو داخل تحت الفتنة ، معامل في سائر أوقاته بالمحنة ؛ من كافر وشقيّ ، ومؤمن وتقيّ ، وصدّيق ونبيّ . وإلى هذه الثّلاثة أقسام تنقسم الأنام . قال تعالى « 4 » : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فهؤلاء كلّهم ممتحنون ، ولمّا كان هذا العالم يفنى ، ومن كرم الكريم أن جعلهم يعملون فيه لما يبقى ، صيّرهم لأفعالهم فاعلين ، وأرسل إليهم رسلا مبشّرين ومنذرين « 5 » ، بعد أن مكّنهم ممّا خلقه كسبا لهم ، وجعله لهم بإرادتهم واختيارهم إن شاؤوا مكتسبين . وشاء بمشيئته القديمة ، أن تكون لهم مشيئة محدثة في كلّ حين ، فوعدهم
--> ( 1 ) سورة السجدة 7 - 8 . ( 2 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة التوبة 121 : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 3 ) سورة الأنبياء 35 . ( 4 ) سورة الواقعة 7 - 11 . ( 5 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة النساء 165 : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .